الثلاثاء، 16 مارس 2021

 

D

"حسنية"

   مالت الشمس إلي المغيب، تختفى وراء جبال من الأثقال ناء بها كاهل "أم حسان"، الراقدة في فراشها تعاني سكرات الموت، بعد رحلة معاناة وكفاح في مواجهة شظف العيش لسنوات طوال، عقب وفاة زوجها صابر عبد الواحد موظف الحكومة، مخلفا لها، حسان، حسنية، محسن، و حسني ، دون ما يعينها على أعباء الحياة، اللهم إلا معاش الوظيفة الذي تأخر كثيرا في دواليب الروتين الحكومي .

   فراش وثير ترقد عليه أم حسان، بعد أن تبدلت الأحوال، وودعت الأسرة أيام العوز، التي كانت انتقلت اليها عقب وفاة عائلها توفيرا للنفقات، وانتقلت للعيش في حي المنيرة، لكنه لم ينسها يوما آخر خشن قاسمها أيام الضنك .

   وقفت حسنية، التي حفرت معاناة السنين وعذابات الماضي ندوبا غائرة على وجهها النحيل، بجوار النافذة ترقب مغيب الشمس وتتابع  آثار الألام على وجه الأم و تتفحص وجهها الشاحب بعنين دامعتين وأنفاس متوترة .

   حائرة عينا حسنية زائغة، تتنقل بين فراش الموت، وبين النافذة، تترقب وصول أشقائها ...

   الأول، الذى أصبح يحمل لقب "الحاج حسان"، بعد أن كان حسان "الطرشه" الفتوة، وهو اللقب الذي أطلق لشدة قبضة يده، وتاجر الحشيش، وزوج سنية الغانية التى قاسمته سنوات العربدة، أما اليوم فهو مالك قهوة "نزهة المنيرة" .

   الثاني محسن، المدير إدارت وزارة التربية والتعليم، زوج وفاء، ابنة سالم الحسيني صديق الأسرة الذى طالما أعانها على مواجهة سنوات العوز.

   والثالث الأصغر حسني، لواء الشرطة المتقاعد، الذي انتمى الي الطبقة الارستقراطية بزواجه من عصمت كريمة رجل الاعمال عباس الصاوي .

   بقيت حسنية تنتظر الأخوة وعائلاتهم، فقد تزوج كل منهم واستقل بحياته، تزوج حسان و سنبة، محسن و وفاء، وحسني و عصمت .

   أفاقت حسنية من عالم ذكريات الأيام العجاف على همس نجوى، إبنة شقيقها محسن، تحاول تهدئتها وإعادتها إلي الحياة التي استشعرت نجوى أن عمتها غابت عنها، وقد لازمتها منذ مرض الجدة، لكنها إنخرطت في البكاء هي الأخرى عند سماع تساؤل عمتها عن "كيف سيكون هذا العالم و الوحدة اذا ما نفذ حكم الله وغابت نينة ؟"...

·       استغفري ربنا يا عمتى ... الأعمار بيد الله ، كلمات نبثت بها نجوى بين دموع تكسو وجنتيها .

(2)

   لم تتزوج حسنية ، فعاشت وحيدة مع أم لا تكاد تفيق من غيبوبتها بفعل المرض الذي أقعدها ، عاشت دون أمل في غد يغير من حالها إلي حال ، فإتخذت من نجوى إبنة وصديقة ، خاصة وأن علاقتها بوفاء أم نجوى لم تتسم إلا بكل الود و المشاعر الصادقة ، بينما اتخذت نجوى من عمتها مكنون سرها وحبها .         


(3)

"حسـان الطرشة"

   جلس "الحاج" حسان ، اللقب الذى أتخذه "حسان الطرشة" الفتوة سابقا ، وقد بلغ منه الكبر عتيا لم يوهن من صحته و من قامته الشامخة، حزينا منذ أن بلغه خبر الحالة الصحية المتأخرة التى تمر بها الأم .

   لم يكن حسان شريرا بطبعه، ولا كان راضيا عن حياته التى أقامها على المال الحرام، الذي يتكسبه من تجارة المخدرات، لكنه ألف هذه الحياة و ..."عشقها" ولم يستطع مفارقتها...

   قضى حسان ثلاث سنوات في السجن لإدانته بتهمة تعاطى المخدرات، وحمد الله أن أفلت من جريمة الإتجار بها، وربطت الصداقة بينه وبين بعض نزلائه ومنهم، مسعود عامر الذى امتهن النشل، و حامد حماد الموظف بوزارة الزراعة و صديق طفولة رفعت عبد الدايم صاحب كازينو بشارع الهرم، الذي سجن ثلاث سنوات لإحداثة عاهة مستديمة بأحد رواد الكازينو لمغازلته زوجته شكرية بطلة استعراضات الكازينو، و عمر كمال بتهمة تخريب ممتلكات عامة أثناء تظاهره ضد السلطة ...

   جمعت زنزانة السجن المجموعة بعلاقة وثيقة، رغم اختلاف حامد حماد و عمر كمال عن الحاج حسان و مسعود عامر،  و خامس المجموعة عم محمود أبو هنية ، الفلاح المعدم الذي سجن في اتهام سرقة أحد أعيان قريته، و زامل الحاج حسان سنوات السجن، وباتا صديقين حميمين أوفى ما يكون كل منهما للآخر.

   عاش الحاج حسان حياته مشتتا بين ما يحمله فى جنباته من روح طيبه، وبين ما أضطر إلي سلوكه من دروب في عالم الجريمة، كان أهونها اشتغاله بالفتونة، ثم ما قاده الانخراط في هذا العالم الي أن يصير تاجر المخدرات،  لكنه كان دائما ما يتذكر ، بشيء من الرضا ، كيف أنه أعان الأسرة ايام المحنة والعوز .

   استقر الحاج حسان بحي عابدين، عقب خروجه من السجن، وتزوج من سنية عشيقته السابقة منذ عهد الفتونة .

    لم يتوقف الحاج حسان عن تجارة المخدرات، وإن إعتزل الفتونة وابتعد عن عالم البلطجة، بحكم التقدم في السن و اتساع تجارته في المخدرات التي داوم عليها ، على الرغم من افتتاحه مقهى "نزهة البستان" الذي أعانه شقيقه محسن على تدبير نفقات انشائه ليتكسب منه عوضا عن ابتعاده عن عالم البلطجة .

   انجب الحاج حسان وسنية ، تغريد و توفيق ...   

(4)

   انحنت سنية، على الحاج حسان، تواسيه، فقد كانت تتمتع بقلب طيب مع أسرتها والمقربين و زوجها وعشيقها أيام المجون ....

   همست سنية : هون عليك يا حاج .. إدعي لها ربنا يخفف عنها ...

   رفع الحاج حسان عينيه الدامعتين اليها قائلا : ليس لنا غيره ، هيا اسرعي، لا أريد أن يسبقنا عزرائيل ...

   اجابت سنية : توفيق لم يعد بعد، و تغريد في السنتر .. جدولها مشحون اليوم ..

   قال الحاج حسان، عندما تعود نتحرك بسرعة... لكن أين توفيق ؟ لم يعد ؟! .. أين يذهب ؟

   لست أدري .. أنت أعلم بإبنك .. يذهب وقتما يشاء ويأتي وقتما يشاء ، ويدعي أنه يقضي وقته في متابعة إدارة القهوة ...

   تساءل الحاج حسان : لماذا ؟ ألا يكفي أبو هنية ، انه يحمل العبء كله عني أثناء غيتبي .

   ردت سنية : نعم خاصة وأنه صديق من أيام المحنة كما أنك غائب غالبا و مشغول في أمور أخرى...

   نظر الحاج حسان الي زوجته نظرة ذات مغزى قائلا : لماذا تذكريني بأيام المحنة ، ثم ألست أنت أيضا مشغولة في أمور أخرى ...

   أقلعت سنية عن ممارسة مهنتها ، وأصبحت سيدة أعمال ، لكن نوع آخر من الأعمال ، فهى وان أقلعت عن التجارة بجسدها ، إلا أنها لم تقلع عن التجارة بأجساد الآخريات .. اكتفت سنية بدور الوسيط ، أو "الخالة" كما كانت تناديها فتياتها ، بين طلاب المتعة الحرام وبين فتيات تحسن اختيارهن وقيادتهن .

   احتفظت سنية بمهنتها "سـرا مقدسا" بينها وبين زوجها ، كما احتفظ هو أيضا بحقيقة "تجارته" ، بعيدا عن توفيق وتغريد .

 اقترنت تجارة الحاج حسان السرية بمهنة زوجته الجنسية ، فهؤلاء الذين ييسرون للحاج مرور تجارته في أمان هم أيضا عملاء سنية التي تقوم بتوفير "الأجمل" من النساء لهم .

(5)

"محـسـن و وفـاء"

   تلقى محسن خبر مرض "نينة" الشديد وضرورة الإسراع بالحضور بنفس حزينة لكن راضية بقضاء الله وقدره ، فقد عاش محسن حياة موظف متوسط الحال ، هادئ البال ، راض بحياته ، عاش دائما واقعيا ، استكان لظروف الحياة الصعبة التي عانت منها الأسرة عقب وفاة عائلها ، وكما كان يردد .

   لم يطمح محسن ، في يوم من الايام ، إلي ثروة أو منصب ، لكنه كان يشق طريقه بصبر وأناة ، عمل كاتبا في مدرسى ابتدائية ، وكان ينفق جل دخله على  الأم والأخت ، صبر على المحنة ، حتى ترقى فى وظيفته حتى بلغ منصب مديرا بالإدارة التعليمية .

   تزوج محسن وفاء.

   انضم محسن الي "الحزب الوطني الديمقراطي" الحاكم ، لا عن قناعة أو رغبة في منصب ، ولكن من قبيل "الضرورة" التي تفرضها مسوغات منصبة .

   سكن محسن و زوجته وفاء حي المنيرة الشعبي ، وتمتع بسمعة طيبة بين جيرانه وأهل شارع المواردي .

   كانت وفاء وكأنها نسخة مكررة ، في طباعها ووداعة أخلاقها و الرضا بالمقسوم ، من محسن ، ست بيت بكل ما تحمله الكلمة من معان ، وانجبت له ، سامح  و نجوى .

   لم يكن لوفاء من أهل سوى أخيها عماد ، بعد وفاة والدها ووالدتها ، الذي شب بينها وبين محسن ، معلمه على عهد الطفولة ، وقد أصبح اليوم مهندسا بشركة مقاولات ذات شهرة واسعة .

   ربطت وفاء و زينب زوجة رفعت عبدالدايم ، جارتها الطيبة ، صداقة  قوية ، امتدت فاترة بين زوجها حسني و  رفعت ، لما بينهما من تفاوت في الثقافة والقيم التي يؤمن بها كلا منهما ،  حسنين رجل مستقيم تربوي ملتزم ، بينما شب رفعت على التدليل واللامبالاة ، كما أنه ليس الا مالك ومدير ملهى ليلي وما بين الشخصيتبن بون شاسع ، لكن محاولات رفعت الحثيثة لدعوة حسنين لزيارة الملهى ولقاء بقية الشلة نجحت ، فإعتاد حسنين الملهى بين الحين والآخر .  

   أورث حسنين ابنه وابنته طيب الطباع ، فشب سامح هادئا متواضعا كأبوه ، وبدا أقرب إلي نسخة منه في الهيئة والشكل ، متوسط الطول تنم قسمات وجهه عن الرضا و بريق عينية عن الذكاء ، لم يتأثر بما شب عليه الكثيرون من أبناء الجيل

(6)

الجديد من اندفاع أو تعجل النجاح والثروة ، تخرج في كلية الهندسة والتحق بإحدى شركات المقاولات نظرا لكفاءته فقط ، وليس لأي سبب آخر .

   أما نجوى فقد وهبها الله جمالا فطريا يقتحم شعاعه القلوب قبل العيون ، وقدا ممشوقا ، وشخصية قوية مسيطرة ، ليس فيها من شخصية أبويها ، خاصة أمها الوديعة ، من شئ .

***

   

(8)

"حـسني و عصمت"

   تأهب حسني لتلبية طلب ذهابه إلي بيت الأسرة ، كما تلقاها أخويه حسان ومحسن ، لزيارة المريضة الغالية .

   سكن حسني حي الزمالك ، حيث علية القوم وأثرياء المجتمع ، بعد أن تزوج من عصمت ، كريمة عباس الصاوي، التي لم تنس أبدا ، أنها تزوجته نزولا على رغبة أبيها ومصلحته الذي آمن ان في تقربه من رجال السلطة يمنحه مكانة وحصانة ،  فكانت تعامل زوجها بكبرياء وأنفة ، على الرغم من أنه كان دائم التودد اليها علها ترضى وتتبدل معاملتها له ، خاصة ، في حضور أفراد الأسرة ، وهو الأمر نادر فقد كانت عصمت تأبى لقاء أسرة زوجها ، ومما زاد من صلفها تحول أبوها عباس  الي احد مليونيرات عالم الاعمال . 

   انجب حسني وعصمت.. هاني و شاهيناز .  

   كان أكثر ما يؤرق حسني ، وهو يتأهب للذهاب الي منزل الأسرة ، تلك النظرة التى كان يوجهها إليه شقيقه الأكبر حسان ، كلما التقيا ، فقد كان هو المتسبب ، بأنانيته وحرصه على مكانته كضابط ، في سجن أخيه ، عندما لجأ حسان الي منزل الاسرة ، هربا من مطاردة الشرطة وهو جريح ، فما كان من حسني الا الإبلاغ عنه خشية تعرضه للمساءلة اذا تم ضبط حسان بمنزل الأسرة قبل الابلاغ عنه ...

   يجدر بك أن تذهبي معي الليلة إلي بيت العائلة ، نينة في حالة متأخرة صحيا و يقول الأطباء أنها مسألة وقت حتى ينفذ أمر الله ..

   بهذه الكلمات توجه حسني إلي زوجته عصمت لكنها أجابته بالفتور ، الذي اعتادته كلما طلب منها زيارة بيت العيلة : حسني لا عودة للحديث بهذا الموضوع ، لن أذهب إلي هناك تحت أي ظرف .. 

   تدخل ولدهما هاني قائلا : ماما ليس هذا وقت شجار يجب أن نذهب فعلا ...

   نظرت عصمت إلي إبنها غاضبة : أأنت أيضا ستذهب ... أنا أعلم السبب الحقيقي لإصرارك على الذهاب ... لتذهبا حيث شئتما لكنى و شاهي لن نتحرك من هنا ...

   قال هاني : نعم أنا فعلا أريد الذهاب .. لا أحد يتخلى عن أهله.. أيا ما كان رأيه فيهم ... وليتك تسألي شاهي ... ربما كان لها رأي آخر ... 

   لم ترد عصمت على كلمات إبنها ، وانصرفت تاركة الأب وإبنه يدبران أمر ذهابهما لعيادة الأم المريضة  ...

(9)

   الذهاب ضرورة ليس منها من مفر ، هذا ما شغل فكر حسني ، إذ لم يكن من مفر من لقاء حسان ، وهو وإن كان لايبغضه إلا أنه كان دائما ما يتحاشى لقاءه...

   لقاء الأول ، حسان ، بنظراته الحادة اللاذعة ، التي دائما ما كانت تذكره بأنه لم يستره بل سلمه عندما لجأ الي منزل الاسرة بل يلمه بيده للسجن ...

   تأهب حسني لمواجهة الزيارة العاصفة ، فضلا عن مواجهة حسان كانت هناك أيضا مواجهة عينا نينة التي طالما كانت تحذره من تطلعه الجامح نحو الحياة المترفة ، وهي وإن كانت لا تنكر عليه التطلع الي حياة اكثر رفاهية الا انها لم تكن لترضى عن السبيل الذي كان ينتهجة لبلوغ تلك الحياة كالزواج من النة رجل ثري.    

   لم يكن صدى تلك كلمات الأم الرافضة لاسلوبة لغيب عن أذني حسني ، كلما تمعن في وجه زوجته عصمت ، أو أمعن التفكير في كيفية تعاملها معه ، كان دائما يشعر ان هذه الزيجة ، التي كانت وسيلته الي الترقي في سلم طبقات المجتمع ، ليست الا عذابا مقيما ، لا يغير منه ما بلغه من مكانة بين أقرانه ، الذين بلغوا سن التقاعد ، خاصة وانه كان يجيد المداهنة والنفاق الي أبعد الحدود ، وهو ما أعانه على الحاق ابنه هاني بسلك التدريس في كلية السياسة والاقتصاد كمعيد على الرغم من تخرجه بترتيب متأخر بين اقرانه ، فلم يكن من المتفوقين الأوائل ، لكن "المحسوبية" تفعل فعلها في ذلك الزمان .

   أسس حسني ، بعد تقاعده ، شركة "أمن خاص" ، واستطاع من خلالها أن يكون شبكة واسعة من العلاقات مع عدد من الشخصيات المرموقة من رجال المال الذين أسندوا مهمة أمن شركاتهم ومصانعهم لشركته .

   إعتاد حسني حياة مترفة كضابط سابق بالجيش و زوج سيدة ثرية من الطبقة الراقية ، وان ولت أيامها ، لم يشغل باله بشيء اللهم إلا متعته الشخصية ، وممارسة أعماله الخاصة ، و سهراته الليلية ، وعلى الرغم من علمه بمدى حب إبنه هاني لنجوى إبنة عمه وموقف أمه من هذا الحب ورفضها له لرفضها أي صلة بعائلته كلها ، إلا أنه لم يحاول إتخاذ موقف يعين إبنه على تحقيق حلمه ، فقد كان هو نفسه رافضا لهذا الحب ، الذي لم  يكن النسب الذي يتمناه لأبنه فإن شقيقه، رغم مركزه الأدبي كمسئول بالوزارة ، إلا أنه رجل متواضع الحال ، لذلك لم يكن يرى في نجوى العروس المثالية لابنه.

   تمتع هاني ، بوجه وسيم ورث ملامحه الارستقراطية عن أمه ، وعن أبوه ورث طول القامة و ملامح الرجولة الكاملة ، لكنه لم يرث عنه تلك المباديء التي عاش


(10)

لها وبها ، كما لم يرث من أمه الارستقراطية الزائفة ، وهو ما كان مثار تعجب كل من عرف الأب و الأم عن قرب ...

   أحب هاني إبنة عمه نجوى لكن موقف أمه المتعالي الرافض لأسرة زوجها حال ، كما الجدار الشاهق ، بينه وبين جنة أحلامه وتحقيق حلمه ... وإن بادلته نجوى ذلك الحب ، والرفض أيضا لموقف أمه عصمت هانم ، كما كانت ان تلقبها كنوع من السخرية ... 

أما شاهيناز فهى جميلة الجميلات بين صديقاتها ، ودلوعة أمها .

 

***

 

 

 

 

(11)

"عزاء الست أم حسان"

   التفت الأسرة كلها حول سرير الست أم حسان الغائبة عن الوعي ، خيم الحزن على الجميع ... حبسوا أنفاسهم إنتظارا لساعة موعودة أيقن الجميع أنها آتية لا ريب فيها كما قال الطبيب ... "إدعوا لها ... لم يعد بإمكان العلم أن يفعل شيئا .. أعمار .... والسن ...".   

   لم يكن يقطع الصمت الذي يلف الحجرة سوى همهمات خافتة تصدر عن الست أم حسان بين الحين والآخر ... 

   فجأة فتحت الست أم حسان عينيها ... شخصت الأعين إليها ...

   لم تنطق سوى بكلمة "يا رب...

   "أشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله" همهم كل من بالحجرة من صجيقات وجارات حسنية بالشهادة.

   أغمضت أم حسان عينيها وهي تردد ما تسمعه من شهادة ، مسلمة الروح الي بارئها ، وانفجرت الحجرة بالصراخ والنحيب ...

   بينما النساء ينتحبن ، انصرف الاشقاء الثلاثة ، الحاج حسان و حسني و محسن

لتدبر أمر الجنازة وإقامة سرادق العزاء .

   تساءل حسني :  أليس الأوفق أن نقيم العزاء في عمر مكرم ، ليكون عزاء يليق بأمنا ...

   نظر إليه الحاج حسان بغضب : هنا في المنيرة الجيرة وبيت العائلة ، ما الذي يذهب بنا إلي عمر مكرم فنشق على الجميع تقديم الواجب ...

   استمر حسني : ولكننا لو أقمنا هنا لما جاء كثيرون ممن يودون مجاملتي وعزائي ... شارع المواردي ليس بالمكان اللائق بهم ...

   الذين يقدمون العزاء الواجب ... لا يأبهون أن تتعكر صفحة أحذيتهم اللامعة . وكأن محسن أغلق باب النقاش ...   

   أقيم سرادق عزاء الست أم حسان في شارع المواردي ، بحي المنيرة الشعبي ، حيث بيت العيلة ، وحيث سكن محسن ، لم يكن من المناسب اقامته ، لا حي في الزمالك حيث يقطن حسني الذي لم تكن سمعته بينهم الا مزيج من النفور والسخرية ، وإن غلفها شيء من الذكاء الاجتماعي ، وذلك لاصطناعة مكانة ليست له ، ولا في حي عابدين ، حيث يقبع الحاج حسان  وزوجته سنية .


 

(12)

   أكتظ السرادق بجمع متجاذب متنافر في آن ، فلكل من الأبناء الثلاثة ، من الأصدقاء ، والحواريين ، و عدد من سكان الحي ، الكل جاء لتقديم واجب العزاء ،

البعض مخلصا ،  والبعض مجاملا ، وآخرون لا يعلم سبب قدومهم الا الله سبحانه وتعالى .

   جلس الحاج حسان لتقبل العزاء يليه محسن ثم حسني وإبنه هاني ، الذي أصر على حضور العزاء ، رغم إعتراض أمه ، التي كانت تعمد إلي إبعاد إبنها  وابنتها شاهيناز عن محيط أسـرة زوجها ، خاصة انها كانت تستشعر أن هاني يهيم بنجوى ابنة عمه محسن .

   كما حضر مسعود عامر ، الذي ارتبط بعلاقة وثيقة بالحاج حسن ، منذ كانا زملاء زنزانة واحدة في ليمان طره ، فقامت علاقتهما على الصدق والاخلاص ، الذي يربط عادة بين زملاء المهنة الواحدة ، على الرغم من وضاعة المهنة ، وما كان يستشعره كلاهما من ظلم تعرضا له ، حسان الذي ظلمته ظروف معيشة الاسرة الاقتصادية ، ومسعود ضحية الفقر و المجتمع الذي ظلمه ، ونصائح و تعاليم رؤوف علوان .

   بقي مسعود عامر في سرادق العزاء ملاصقا للحاج حسن وحامد حماد ، بينما صعدت زوجته عزيزة لتقديم واجب العزاء لسنية زوجة الحاج حسان ، خاصة وانها الذراع الايمن لها في تجارة الجنس بعد أن أقلعت هي الأخرى عن ممارسته بنفسها لتقدم العمر .

   همس مسعود عامر في اذن الحاج حسان : الأمانة في الطريق ..

   نظر اليه حسان : يجب توخى الحذر نحن لم نؤمن مرورها الآمن حتى الان .!

   كما جاء محفوظ  عبدالواحد ، وهو الآن وكيل وزارة التربية والتعليم ، ليقدم العزاء لمرؤوسه محسن مدير الإدارة التعليمية ، على الرغم من الاختلاف بين شخصيتيهما ، وعلى الرغم مما بين أسلوب عمل كلا منهما من تضاد ، فما كان مجئ محفوظ الا محاولة للتقرب من مرؤوسة محسن حتى يتغاضى عن ممارساته غير القانونية ، وما يتقاضاه من رشاوى من بعض أصحاب المدارس الخاصة ، وما يتلقاه من رشاوى أولياء أمور ليمنح أبنائهم تأشيرة الإستثناء للالتحاق بالمدارس بالمخالفة لكل القوانين ، أو غير ذلك من عمولات تراخيص تجديد وصيانة المباني الحكومية التابعة للوزارة ...

   تصنع محفوظ الحزن محدثا محسن : انا لله لله وانا اليه راجعون ..

   رد محسن : سعيكم مشكور ، الحمد لله لقد انهكها المرض ...

(13)

   قال محفوظ : العزاء واجب على كل مسلم ، غفر الله ذنبكم . الحقيقة اني كنت انتوى زيارتك الليلة ... فقد ..

   حسم محسن الأمر : أرجوك لا عودة لهذا الحديث ... الليلة على الأقل ...

   تجهم وجه محفوظ وانقطع مجرى الحديث .

   جاء حامد حماد  وزوجته شكرية ، للعزاء ، حامد بحكم صداقته للحاج حسان ،  و شكرية بحكم الجيرة التي جمعتها و وفاء .

   ارتبط محسن و حامد ، بصداقة جوار قامت على تحليهما بالاخلاق الكريمة ، ورفضهما فسادا استشرى في المجتمع ، وإن اختلفا على أسلوب الاعتراض ، الذي اتسم عند حامد بالحدة والمواجهة ، الأمر الذي لم يكن من مكونات شخصية محسن ، المستسلم بطبعه لما تأتي به الاقدار ، واختلفت صداقة حامد بمحسن عنها بينه وبين الحاج حسان ، فالأولى تقوم على توافق في القيم ، والثانية على عشرة الزنزانة .  

   جلس حسني بجانب الحاج حسان ومحسن مجبرا ، فهو لم يستطع نسيان ماضى حسان الاجرامي ، ولا أنه ، رغم هذا الماضي ، كان له عليه جميل تدبير مصاريف التحاقه بكلية  الشرطة، ولا كان يرتاح لاسلوب تعامل حسان معه الذي كان يشعره ، طوال الوقت ، بأنه ، رغم كل شيء ، شقيقه وأنه لا يكن له الا كل حب ، وهو ما لم يستطع حسني استيعابه أو مبادلته إياه ، بل ظل دوما يشعر بالدونية أمام حسان ، معتقدا أن حسان يحسده على ما بلغ من مكانة في المجتمع ترفعه عنه درجات .

   كان حسني يشعر بالحسد تجاه حسين ، إذ يراه راضيا بحياته هادئ البال مع زوجته وفاء ، التي تحترمه وتحبه ، وهو ما لم يكن يناله من زوجته عصمت.   

   تبادل الحاج حسان وشقيقه الأصغر حوارا هامسا قصيرا بدا مصطنعا لكنه بحسب الضرورة لكي يبدو مظهرهما أمام المعزين طبيعيا ..  

كيف تسير أحوالك يا حاج حسان ..

بخير يا باشا ..

ألم يكن من الأجدر أن تتخير عملا آخر عوضا عن هذا المقهى ...

لا أحسن إدارة الأعمال يا باشا ... وأنت أدرى ببواطن الأمور ...

   انقطع الحديث الهامس دون كلمة مواساة ، على الرغم من احساسهما بفداحة الخسارة التي لحقت بهما هما الاثنين... فلم تكن أمهما على مرضها الذي أقعدها إلا واحة الأمان و نبع السكينة للجميع ...

(14)

   تجمعت النسوة في منزل حسنية ، حيث عزاء السيدات ، سنية زوجة الحاج حسان ، وفاء زوجة محسن ، أمينة زوجة رفعت عبدالدايم ، هناء شكري زوجة محفوظ عبدالدايم ، شكرية زوجة حامد حماد ، زوجة مسعود عامر ، زبيدة زوجة  عزيز عوني ، و حكمت زوجة فرج يا مسهل .

  كان عزاء النساء وكأنه نسخة مكررة من عزاء الرجال فضم انماطا متباينة من  الشخصيات غير المتجانسة .

   تجاورت بهية وسيدة التي همست في أذن صديقتها : لم يعد لنفيسة سوى ابنتك نجوى ...

   أجابت بهية : أعانها الله على وحدتها ، لا زوج ولا ولد ، نجوى تحب عمتها وتجد فيها سندها في مواجهة عصمت زوجة عمها حسني ...  

   كان المقرئ يتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم بسرادق العزاء بينما تسلل هاني من بين المعزين متوجها الي عمته نفيسة ليقدم لها عزاءه ، وإن كان في حقيقة الأمر  يتوق الي لقاء نجوى التي غابت عنه طويلا بسبب مرض جدتهما وانشغالها مع عمتها ، دخل هاني الى عزاء السيدات دون حرج ، فقد كن كلهن من الأقارب والمعارف وكبار السن ، ولم يكن من حرج في تواجده بينهن ، وأومأ الي نجوى وهو يحتضن عمته باكيا مثلها .

   تسللت نجوى الي سطح المنزل ، حيث مكان لقائهما المحبب ، كلما كانا يزوران جدتهما ... التقى المحبان ، الحزينان على فراق الجدة ، وان  لم يمنعهما ذلك من شعور بالسعادة بلقاء طال انتظاره لديهما .

   نجوى الطالبة بكلية التجارة و هاني المعيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، وهي مكانة ما كان يمكنه بلوغها أو يستحقها دون نفوذ والده حسنين ، مالك شركة الأمن الخاصة التي أسسها بعد بلوغه سن التقاعد .

   تقاسم الحبيبان لحظات السعادة ، كعادتهما كلما التقيا ،، وإن كانت سعادة مغلفة بدموع الحزن على فراق الجدة ، قبل أن يأتي الحديث على  سيرة إنجي هانم التي لم تحضر للعزاء ...

   قالت نجوى : حتى الموت يقابل بالكبرياء الأجوف... لماذا لم تحضر والدتك ... ألا زالت على إعتقادها أنها من طينة أخرى غير بقية الأسرة ...!

   لم يكن هاني بأقل حنقا على كبرياء والدته من نجوى ، لكنه حاول الدفاع ، فتعلل بمرضها المفاجئ ، الأمر الذي لم يجد لدى نجوى قبولا ، فإنفجرت : ألم تزل على موقفك المدافع عن كل تصرفاتها ... !

(16)

   شعر هاني بالخجل الذى حاول الهروب منه بصوت يميل الي الحدة ، متسائلا : ألا يمكن أن نلتقي دون أن تأتي على سيرة أمى ...

   نظرت اليه نجوى غاضبة : أنت لا تريد أن تعترف بما أثق في أنك تشاركني فيه الرأي ، و أسرعت بالذهاب قبل ان يستطيع اللحاق بها ، وبقى هو حانقا .. عاجزا .. حائرا .

   غادرت نجوى وهي أكثر حنقا ربما من هاني فهي تحبه ولكنها لاتستطيع كبح جماح الغضب كلما شعرت بالاهانة التي تخيم على لقاءاتها  مع هاني بسبب موقف

أمه إنجي هانم سليلة البشوات منها ومن عائلتها ، فقد كانت على يقين من أن دونها وتحقيق حلم الارتباط بهاني صخرة تعادل جبل المقطم .

   أحبت نجوى ابن عمها هاني لكنها لم تكن لترتاح لعمله بسلك التدريس بالكلية عن طريق نفوذ والده ، ولا إلي الكبر الذي يسيطر على أمه ، فقد شبت نجوى على الحياة القويمة ، بين بهية الأم الطيبة وحسين الأب الذي لا يرضى بأي نوع من أنواع التمييز بسبب الوظيفة التي لم يستغلها في يوم لمكسب معنوي أو مادي .

   قررت نجوى ان تتخذ القرار الصعب وأن تفكر بجدية في مستقبل هذا الحب الذي تكنه لابن عمها لكنه يحط من كرامتها وهو الأمر الذي لم تكن لتقبله ، ولم تكن المرة الأولى التي تقرر فيها اعادة حساباتها مع نفسها ، لكنها المرة الأكثر جدية .    

   بقي هاني وحيدا حائرا لا يشغل فكره الا البحث عن طريقة لتحقيق حلمه بالاقتران بنجوى وكيفية إقناع أمه انجي ، التي ترفض مجرد صلة الرحم مع عائلة أبوه ، فكيف بزواج إبنها من إبنة شقيقه .

   عاد هاني إلي سرادق العزاء فرمقه أبوه بنظرة ذات مغزى ، فمن جانبه سعد بالحب الذي يجمع بين إبنه و إبنة عنه ، لكنه لم يستطع مقاومة معارضة زوجته لهذا الحب .

   انفض العزاء بعد منتصف الليل فتفرق الجمع ، مع كلمات أصر حسين على التأكيد عليها مع بقية أفراد الأسرة ، بضرورة الإبقاء على صلة الرحم ، وألا ينقطع حبل الود الذي كانت تصله نينة يرحمها الله .  

 

***

(17)

"ليالي الأنس"

   واصل ثروت عبد الشافي حياته ، زوجا لسيدة ، وأبا لسمير إسما فقط ، فقد كان يعيش حياته الحقيقة في ملهاه "ليالي الأنس" ، متيما ببدرية ، وفقط ، وكما لو أن الأيام والسنين لم تتوالى طاوية في ثناياها أقدار و أحداث غيرت الكثير من البشر و الحجر .

   رحلت أمه ، الست عين عن الحياة ، بعد أن أجبرته على رد زوجته سيدة إلي عصمته وعلى أن يعود للحياة معها ومع ابنه سمير .

   على الرغم من الاحداث التي عاشها عزت وعاشتها بدرية ، ومرت به وبها وبزوجها وصديقه حمدون عجرمة ، بقى عزت عبدالباقي كما هو ، لا يحرك فيه ساكنا الا رغباته فقط ، لم يعبأ بزوجته سيده ، التي أنجبت له ابنه سمير ، ثمرة تهوره واعتدائه عليها وهي ابنة خادمة أمه ، وصديقتها ومكنون سرها ، وعلى الرغم من علمه أن سيدة متيمة به منذ الطفولة ، لكنه اعتاد ان يخطئ دون عقاب ، أما هذه  المرة فقد قوبل خطأه بغضب أمه الست عين التي أصرت على أن يتم زواجه من سيدة رغم الفارق الشاسع اجتماعيا بينها وبين خادمتها .

   بقى عزت مالكا ومديرا لملهى "ليالي الأنس" حيث وجد فيه ضالته ،  يدير مجموعة من مطربات والمطربين من الدرجة الثالثة ، على الانغام الصاخبة وعلى صدى أصوات قرع كؤوس الخمر .

   لم ينس عزت نصيبه من الدنيا ، وكانت علاقته مع فردوس ، إحدى ممثلات فرقة ملهاه ، التي نشأت في ظل حرمانه من الحياة العائلية بعد زواجه من سيدة على رغم إرادته ، وصد بدرية المتكرر له رغم كل محاولات استمالتها ، حتى أثناء غياب حمدون في السجن ، فشكلت علاقته بفردوس تعويضا عن حرمانه العاطفي و رغبته الدفينة في أن يبدو ، في عيني بدرية ، كما كان يقول لصديقه الوحيد وظله فرج يامسهل ، رجلا مرغوبا فيه ، بينما هي لا تشعر بوجوده مطلقا ، وهو ما كان يحاول فرج يامسهل ان ينبهه له لكي ينساها كن دون جدوى .

   بقي فرج يا مسهل رجل الظل في حياة عزت عبدالباقي مالك و مدير ملهي "ليالي الأنس" ، وراعي شئون ثنائيات "شلة العاشقين" في عشهم السري .

   أما زوجته ، حكمت ، فقد بقيت على حالها بالملهى رفيقة بدرية المناويشي بطلة الفرقة المسرحية للملهى .  

 

(18)

   كان ملهى "ليالي الأنس" هو مورد دخل حمدون عجرمة ، هو وزوجته بدرية ، وقد إضطر للقبول بكتابة الاسكتشات الهزلية التي يقدهما الملهى ، بعد أن قوبلت مسرحياته ، التي قال انه يهدف من خلالها إلي إرساء القيم والمبادئ ، بالرفض الساحق من رواد الملهى ، ففشلت مؤلفاته المسرحية الواحدة تلو الأخرى حتى إضطر لمجاراة رغبات الرواد السكارى وأخذ في كتابة كل مسف ومبتذل ، وإن كان ما يلبث أن يكتب اسكتشات "هزلية" تنتقد في قالب ساخر إلي أبعد حد سلبيات الحياة السياسية ، وممارسات الطبقة الحاكمة ، والفساد الذي تمثل في الواسطة والمحسوبية و"نهب" المال العام و تزوير انتخابات مجلس الشعب دورة بعد أخرى ، هكذا كان في الماضي ، و هكذا بقي الحال على ما هو عليه ، وهو ما كان يعرضه للاستدعاء إلي مباحث أمن الدولة ، من حين إلي آخر لحثه على التوقف عن كتابة مثل مثل هذه الاسكتشات ، وإن كان حتى ضباط جهاز الأمن لا يلقون اهتماما جديا بما يقدمه ليقينهم أن تلك الاسكتشات لا تعرض إلا على سكارى لا يكاد الواحد منهم يفيق إلا ليغيب عن الوعي ، من ناحية ، ومن ناحية أخرى أن هؤلاء السكارى هم وقود ومحرك القاسم الأعظم من تلك الممارسات الفاسدة .  

   وجد الحاج حسن ، في "ليالي الأنس" ، وهو من كانت له صولات أيام كان "طبال" فرقة الأستاذ صبري في شارع كلوت بك ، مناخا يروقه ويستهويه ، بديلا لسهراته في درب طياب ، فضلا عن كونه وكرا آمنا لعقد صفقات تجارته .

   بصحبة سعيد مهران ، صديقه وساعده الأيمن في تجارته ، تمضي ليالي الحاج حسن ، بين السكارى خاصة وأن معظم رواد "ليالي الأنس" ، إما من عملاءه في توزيع المخدرات ، أو من الطبقة الثرية الذين يشكلون سوقا رائجة لتجارته ، تاركا إدارة "نزهة البستان" لصديق الزنزانة المخلص أبو هنية .

 

 

 

 

  

 

 

 

 

(19)

"إحسان شحاته و محجوب عبدالدايم"

   تخطت إحسان شحاته وزوجها محجوب عبدالدايم "الفضيحة" التي أحدثتها زوجة عشيقها قاسم بك عندما فاجأتهما بالزيارة ، لتضبط قاسم بك في أحضان إحسان في حجرة نوم محجوب عبدالدايم ، الجالس في الحجرة المجاورة بصحبة أبوه .

   جاء عبدالدايم الأب الذي لم يعد يرى أبعد من نصف متر من بلدته ، لا ليزور ولده محجوب ، لكن ليتأكد من وشاية سالم بن نفيسة العجانه ، الذي أبلغه أن ولده يعيش حياة مترفة ويشغل منصبا مرموقا في الوزارة التي يعمل بها هو أيضا .

   سالم ابن نفيسة العجانه لم يكن إلا المثل والقدوة لمحجوب عبدالدايم ، وكان مرشده ودليله الي طريق السعادة بترشيحه للزواج من إحسان شحاته عشيقة سالم بك ، ليكون هذا الزواج الستار الذي تختفى خلفه علاقة العشق ، ويكون طريق محجوب الي الوظيفة ..

   كان سالم رجلا لا يقيم ، كما هو حال محجوب عبدالدايم ، للأخلاق وزنا ولا يعرف للقيم قدرا ، فلم يتقبل ان يتخطاه محجوب في الترقي الى الدرجة الرابعة بينما يبقى هو في الخامسة ، لا لشيء الا لأنه زوج العشيقة ، وهو الذي لم يكن يتوانى عن خدمة سيده قاسم بك في كل ، أو أي ، مهمة يعهد بها اليه على وضاعتها أيا ما كانت .

   ضاعف من غضب سالم، رفض محجوب لاقتراحه بأن يعرضا على قاسم بك ان يتبوأ سالم منصب مدير مكتب الوزير قاسم بك ، على ان يترقى محجوب ليتولى منصب سالم ، و هكذا يرتفع كلا منهما درجة ، بدلا من الوضع الجديد الذي يرفع محجوب عليه درجة ، فوشى لزوجة قاسم بك بالعلاقة المحرمة بين زوجها وإحسان ، كما وشى للأب بوضع ابنه الوظيفي .

   تجمعت كل الأطراف في شقة محجوب .. زوجة قاسم بك .. ووالد محجوب .. وقاسم بك يطارح إحسان العشق في وجود زوجها بصحبة أبيه .

   تخطت احسان ومحجوب الفضيحة بواسطة نفوذ قاسم بك الذي انفق الكثير من المال لتتجاوز الصحف ، خاصة المعارضة ، فضيحة القصة الجنسية المثيرة ، وبقي قاسم بك في منصبه وزيرا ، ومحجوب عبدالدايم مديرا لمكتبه ، بينما توارى سالم بن نفيسه العجانة في غياهب النسيان بعد أن قرر قاسم بك الإنتقام منه برفته نهائيا من الوظيفة اللحكومية .

(20)

   انضـم محجوب عبدالدايم إلي "الحزب الوطني الديمقراطي" الحاكم ، فلم يكن محجوب ليضيع أي فرصة للتسلق والنفاق .. والتقرب من أصحاب القرار... لم يتخل أبدا عن فلسفته التي عاش عليها منذ أن كان طالبا في الجامعة يسكن بيت الطلبة والتي تتلخص في حرفين لا ثالث لهما ... "طظ" .

   انتقل محجوب للعيش في حي المنيرة ، هربا من الفضيحة حيث كان يسكن ، وترقى في السلك الوظيفي حتى بلغ وكيل وزارة ، و تعرف الي حسين كامل على مدير الادارة التعليمية بالقاهرة ، واضطر محجوب ، تحت الحاح وضغط إحسان ، أن يجد لها عملا بالوزارة كمشرفة اجتماعية ، وعينت بإحدى المدارس الإبتدائية ، على الرغم من عدم حصولها على أي مؤهل علمي يؤهلها لهذه الوظيفة ، لكن في زمن ما ... ومع من هم على شاكلة محجوب عبد الدايم ، فيلسوف نظرية "طـظ" ، كل شيء وأي شيء ممكن .  

   وجدت إحسان شحاته في سيدة زوجة عزت عبدالباقي ، و بهية زوجة حسين جارتيها الطيبتين ، أختين لم تلدهما أمها ، وصديقتين تبوح لهما بمكنون أسرارها ، عوضا عما كانت تعانيه من وحدة قاتلة ، نتيجة ما اضطرت إلي سلوكه من علاقة غير شرعية بقاسم بك ، أدت بها الي الزواج من محجوب عبدالدايم ، ليكون ستارا لعلاقتها المحرمة .

   أفضت إحسان بسر سبب زواجها من محجوب عبد الدايم ، إلي بهية و سيدة اللتين أبديتا تعاطفا معها ، وبات النسوة الثلاث وكأنهن أنثى واحدة ، تشكو إحسان من زوجها فيلسوف "طظ" ، و تشكو سيدة من زوجها اللاهي في الملاهي ، وتشاطرهما بهية الأحزان تعاطفا معهما .

   لم ترزق إحسان لا بالبنين ولا بالبنات ، فحمدت ربها كثيرا على عدم قدرتها على الانجاب ، فلم تكن تحترم زوجها محجوب ولا تتخيل أن يكون صاحب مبدأ "طـظ" أبا مشرفا للأبناء ، ووجدت في نجوى إبنة لم تنجبها ، فأحبتها ، خاصة بعد ان باحت نجوى لطنط إحسان بسر حبها وعلاقتها بهاني ابن عمها حسنين ، وموقف أمه إنجي هانم الرافض لهذا الحب .

 

 

 

 

 

(21)

"شـلة الناقمين"

   أطلق الشباب على مجموعتهم إسم "شلة الناقمين" ، فهم ناقمون بالفعل على هذا المجتمع ، و على كل ما فيه ... كل ما له من تاريخ ، في أي من مجالات الحياة ، وكل ما هو عليه من حاضر ، فلا قيمة عندهم لهذا المجتمع الذي شب ، كما يؤمنون ، على ما ورثه من خنوع واستكانة للحاكم ، فرعونا أكان أو مملوكا ، عربيا أكان أو أعجميا ، ملكا أو رئيس جمهورية ، ولم لا  ينقمون ، ولا حلم قابل للتحقق يمكن أن يداعب مخيلاتهم ، فلا عمل متاح ، حيث البطالة تلف كل مجالات العمل ، وتحاصر الواسطة والمحسوبية ونفاق ذوي السلطة والثروة ما بقي من فرص العمل القليلة .

   ضاعف من ذلك الفهم الرافض للمجتمع ما جد من انتشار وسائل التعرف على عالم آخر ومفاهيم مغايرة لتلك التي شب عليها آباؤهم ، فقد أحدث "الكمبيوتر" ، غزوا هائلا لعالم الشباب والمراهقين ، واذا كان لهذا الوافد الجديد من "فائدة" ، فقد قابلتها "ألف سيئة" في مجتمع ، ولسنوات طويلة فقد فيه العلم والحضارة كل قيمة ، وتوارت قيم ومباديء كانت راسخة في أعماق الجذور ، وحل محلهما ما عبرت عنه المصطلحات الجديدة ، نفضله .. حلق له .. انتخ .. استكنيس ، وغير تلك  الكلمات التي ليس لها معنى إلا عند شباب غاب في عالم الضياع . 

   اعتادت "شلة االناقمين" التجمع في مقهى "وسط البلد" ، لا موعد ولا اتفاق ، وساروا على مبدأ من كان منكم راغبا فليحضر .

   شب سمير عزت عبدالباقي ، أحد أعضاء "شلة الناقمين" ، يتيم الأب ، على الرغم من وجود هذا الأب على قيد الحياة ، فلم يشعر بوجود ه ، ولم يسمع عنه إلا كل ما يشين ، لذا لم يُكن له في يومِ من الأيام لا حبا ولا احتراما ، ولم ير في عمله ، مالكا و مديرا لملهى ليلي ، الا سمسارا  للرزيلة واللهو غير البريء ، فلم يشابهه في شيء ، اللهم الا إندفاعه تجاه مشاعره ، وإن كانت مشاعر الإبن اتجهت بكليتها الي الوطن ، فانضم الي "شلة الناقمين" ، ومن خلالها أفرغ كل طاقات الغضب والنقمة ، فكان عضوا نشطا وإن لم يبلغ مرتبة أحد قادتها أو رموزها ، وبقى على العهد مع حمدون عجرمة ، أحد قادة حركة "أبناء الغد" أستاذه الأول في مدرسة "الوطنية" .

   كان موعد لقاءات حركة "شلة الناقمين" موعدا يقدسه سمير ، خاصة عندما ينجح في الحصول على "جديد" يمكن أن يلقى لأجله عبارات الاستحسان ، مثل

(22)

تسجيل "الفيديو" الذي استطاع الحصول عليه من أحد المجندين في قسم الشرطة  و الذي يبدو فيه  أحد الضباط  وهو ينهال صفعا وركلا على أحد المشتبه بهم ، وإن كان استحسان الشلة ليس مبعث جهوده فقط  للحصول على تلك التسجيلات ، فقد اعتقد اعتقادا راسخا أن هؤلاء الشرطيين هم أعداء الحرية و يد البطش التي يقمع بها النظام كل حر في هذا البلد .

   هذا الفيديو الذي رفعه على موقع "يوتيوب" كان محل فخره ، عصر ذلك اليوم ، وهو متوجه الي قهوة "وسط البلد" ، حيث تتجمع "شلة الناقمين" ، فقد كان يتوق الي كلمات الاستحسان ، التي كان نادرا ما يسمعها ، على الرغم من أنه كان أكبرهم سنا ، لكن ذلك لم يكن يشفع له وسط "شلة الناقمين" ، الذين ما كانوا يشعرون بالاحترام لكائن من كان ، لكنه بلغ الليلة ما يصبو اليه من اعجاب الشلة بما حققه ، من انجاز يحقق له هو شخصيا نوع من الترضية الذاتية ، فهو حانق على هذا البلد الذي لم يعد فيه إلا للواسطة والمحسوبية جواز المرور الي الحصول على العمل و المكانة ، أو بإختصار ، إلي حق الحياة ذاتها ، فقد تخرج في كلية التجارة بتقدير جيد جدا ، و تم تخطيه في التعيين معيدا بالكلية ، كما أغلقت فى وجهه كل أبواب الحكومة ، أما البنوك الاستثمارية فتلك لها أربابها من أبناء باشوات عصر مبارك... هؤلاء الذين بددوا أحلامه ... حطموا طموحه .. لم يعد يجد في هذا النفق المظلم من بصيص نور يمنحه ولو أملا واهيا .. حتى السراب ليس من الممكن توهمه .

   قدس سمير أيضا مواعيد لقاءاته مع تغريد ابنة الحاج حسن التي أحبها من كل قلبه ، ووجد فيها الحبيبة والصديقة .

   ما كانت تغريد لتتخلف عن سهرة الحبيب الذي تشتاق إلي التمتع بكلمات الاعجاب التي ستنهال عليه فور مشاهدة الشلة للفيديو الذي حصل عليه .

   تجمعت "شلة الناقمين" في اللقاء اليومي الذي كان يتم دون تدبير أو اتفاق ، ليدور حديث السخط المبرر لما  آلت إليه أحوال البلاد ، خاصة ما كان يتعلق منها بجمال مبارك الذي كانت كل الدلائل تؤكد أنه يعد نفسه لخلافة أبوه وتولي منصب رئيس الجمهورية ، على الرغم من النفي المتكرر للعديد من المسئولين ، لكن عدم رفض بعض الشخصيات ، التي تعد رموزا المعارضة للفكرة ، من حيث المبدأ ، وفي مقدمتهم جماعة "الإخوان المسلمين " التي يقول مرشدها محمد بديع : ان  جمال مبارك مواطن مصري يحق له الترشح لرئاسة البلاد ... هذا حق يكفله له

 

(23)

 الدستور ، وهو نوع من المداهنة الذي لم يقنع الكثيرين ، لكن "شلة الناقمين" لم تكن تجد في الأمر حرجا وتجد في أقوال الإخوان ضرورة لا يجب أن تكون حجرة

عثرة في طريق التعامل معها ، فقد كان هدفها إزعاج السلطات ، اللهم إلا عدد محدود من الشلة كان يطمح إلي أكثر من ذلك بكثير إعتمادا على ما تلقوه على أيدى مدربي منظمات المجتمع المدني في أكثر من مدينة في الغرب ، حيث الحرية والديمقراطية الحقيقييت ، من أساليب الإحتجاج الناعم و أساليب مواجهة رجال الشرطة ، ومن وعود ، وهي الأهم ، إذا ما تحركوا بجد وأثاروا موجات إحتجاج شديدة على مستوى الجمهورية لا تقتصر تجمعاتها على فئة من فئات المجتمع .

لم تكن "لمة" الشلة تقتصر على مصريين فقط ، إذ أن شرط "عضويتها الضمنية" ، "السخط" على نهج جيل الآباء والأجداد ، لذا ضمت الشلة مجموعة الجامعة الأمريكية  ، هنادي ، وزياد زميلها "الأنتيم" المرافق لها ، من فلسطين ، وبو يحي من تونس.....

   فور حضور زعيم الشلة محمد عامر ، بصحبة صديقته الأنتيم وفاء محمود ، بدأت السهرة على شرف "فيديو سمير" ...

   أعادت الشلة مشاهدة الفيديو عشرات المرات ، والذي يصور أحد ضباط الشرطة يكيل اللكمات والصفعات لأحد المواطنين ، وكلما أعادوا مشاهدته تمايلوا منتشين بما حققوا من نصر على "بلطجية الداخلية" وهو تعبيرهم الأثير الذي أطلقوه على رجال الأمن ، وما كانوا ليملوا من إعادة مشاهدة الفيديو ، الذي لم يكن الأول ، ولن يكون الأخير في نشاط الشلة التي تكن كرها غير محدود وغير طبيعي لرجال الشرطة ، ولو أن جبل المقطم تحرك من مكانه قيد أنملة بفعل هبة ريح ما تزحزح أفراد الشلة عن إيمانهم العميق بفساد "كل" رجال الداخلية بلا استثناء...

   أثنى محمد  عامر على نشاط  سمير ممتدحا عبقريتة في الحصول على الفيديو ، ووجه له حديثه ، ربما لن يكون الفيديو الأخير يا أبو سمرة ...

   رد سمير ، لم يكن الأول ، ولن يكون الأخير ، فهناك مئات من الوقائع التي تحدث كل يوم في أكثر من قسم شرطة ... وقد اتفقت بالفعل مع اثنين من أصدقاء المجند

الذي صور هذا الفيديو ووعداني بالمساعدة ... وليس سرا أن أؤكد أن جهود توفيق حسن كان لها أثر فعال في تجنيد المجند ...

   كانا سمير و توفيق ، شقيق تغريد ، صديقين حميمين ، يعلم الثاني بحب الأول لشقيقته ، ويباركه ، وكان يتمنى أن تكون لقصة حبهما فصولا أرحب وأفضل مما هي عليه ، معارضا بشدة رأي أبوه عزت ، الذي لم يكن على علاقة طيبة معه ، إذ

(24)

لا تتناسب وعلاقة أب و إبنه ، إذ كان يرى أن ماضي الحاج حسن ، والد تغريد ، قد انتهى ونسيه الناس ، فلا مبرر لرفضه لرغبته الارتباط بتغريد ، وأنه هو نفسه أبوه ليس في مكانة وليس له من عمل يمكن أن يكون محل فخر واعتزاز .

   عقب انتهاء حفلة "فيديو سمير" تبادل أفراد الشلة ، كعادتهم كل ليلة ، الحديث حول آخر مهازل نظام مبارك ووزراء حكومة أحمد نظيف وبصفة خاصة وزير الداخلية حبيب العادلي ، بينما كان للنائب أحمد عز نصيب الأسد من السخرية عقب

"هندسته" لانتخابات مجلس الشعب التي هيمن "الحزب الوطني" على مقاعده نتيجة مناخ أسطوري للتزوير والبلطجة التي مورست في اللجان الانتخابية .

   انفض السامر ، وذهب أعضاء الشلة في ثنائيات ....

   انسحب سمير منتشيا بما نال من استحسان ، برفقة تغريد ، بينما غادرهما شقيقها توفيق ، صديق سمير المقرب ، متجها إلي "نزهة البستان" ليقضي بقية السهرة مع شلة المواردي ، بينما توجه العاشقان إلي حيث لا عين تراقب ، ولا حاسد يعكر صفو اللقاء ، متجهين الي عشهما السري .

   حاولت اقناع أبي بزواجنا لكنه رفض بشدة ، قالها سمير فيما يشبه الاعتذار ..

   ردت تغريد : من يسمع أبوك وسبب رفضه يظن انه واعظا في مسجد لا مديرا لكباريه ... يقضي لياليه بين الرقص والخمر .. وما خفي كان أعظم ... لقد أخطأ أبي ونال جزاؤه .. وانتهي الأمر ...

   حتى لو لم يكن نال العقاب ، أكمل سمير ، ما ذنبك أو ذنبي أنا فيما فعله أبوك أو ما يفعله أبي ... دعينا من إستعادة ما لايسر .. كفانا أننا على الحب مجتمعان ... لنعيش حياتنا .. ونتمتع كلا منا بالآخر دون تعقيدات الآباء المخرفون ...

   لم يكن سمير ليعبأ برأي أو موافقة أبيه لولا موقف أمه المنحاز لرأي الأب ، فلم تكن سيدة ، بفطرتها الطيبة ، قادرة على أن تتقبل ارتابط  وحيدها بإبنة تاجر مخدرات ، ولم يكن موقف الأم إلا الحائل الوحيد بين سمير وتحقيق حلمه ، فقد كان يحب أمه ويقدر ما تكبدته من أجل تربيته وتعليمه ، لذا لم يشأ أن يغضبها آملا في أن ينجح في تغيير موقفها وإثنائها عن رفضها لتغريد .

   جمعت الأقدار بين سمير عزت عبدالباقي و توفيق حسن كامل علي ، الأول ابن صاحب ملهى ، والثاني ابن فتوة قديم و تاجر مخدرات خريج الليمان ، فباتا صديقين حميمين ، ضاعف من عمق صداقتهما ما ربط بين سمير وتغريد شقيقة توفيق من علاقة حب صادقة ، باركها توفيق ، وإحساس لدى كلا منهما بظلم يعانيان منه بلا جريرة ، نتيجة سلوك وأسلوب حياة والد كل منهما.

(25)

   انتحى سمير بتوفيق ، وهم يغادرون ثلاثتهم المقهى ، هامسا : أريد أن أفاتحك في موضوع خاص بصراحة ...

  وما يمنعك ... قل ما تريد ، قالها توفيق بسرعة وود ...

   سمير : ليس الآن ، تغريد تنتظر ولا أرغب في مشاركتها حوارنا ... لنضرب موعدا خاصا بنا ...

   أجابه توفيق بالموافقة على موعد بنهاية الأسبوع...

   غادر محمد عامر مقهى "وسط البلد" ، متأبطا ذراع صديقته وفاء محمود ، متوجهان إلي "المقر غير الرسمي للشلة" ، أو مقرهما ومجموعتهما المصغرة ، فلم يكن أي من أفراد الشلة ، وهم كثر جمعتهم مشاعر السخط على نظام الحكم ، من على صفحات "فيسبوك" و "تويتـر" ، على علم بهذا المقر ، إلا من يعدون من قادة الشلة أو صفوتها ...

  قالت وفاء : مدهش سمير أن حصل على هذا التسجيل ، وإن لم  يكن الوحيد الماهر في هذا النشاط ...

   أجاب محمد : هو مدهش حقا ، خاصة في هذا التوقيت فنحن نحتاج إلي تعزيز موقفنا أمام أصدقائنا في الخارج ، إنهم ينفقون بسخاء ، فلا يجب أن نخيب رجاءهم أو أن نبدو عاجزين عن العمل الجاد ...

   ماذا تعني ؟ تساءلت وفاء ...

   تمهل محمد عامر قبل أن يجيبها : منذ فترة ونحن شبه خاملون ، حقا لم يسألنا أحد عن نشاطنا لكن هناك بالتأكيد من ينتظر منا الكثير ... انهم يمدوننا بما نحتاج ... لقد قرروا دعمنا للوصول إلي حياة ديمقراطية حرة ، فلا أقل من نبدى حماسا و نشاطا يعادل هذا الدعم ...

   قالت وفاء مبررة : لم يمض على عودتك من الخارج إلا نحو الشهر ...

   محمد : لست وحدي ، هناك آخرون يجب أن يضاعفوا النشاط ...

   وفاء : إنهم يفعلون .. ألا ترى إلي شعبيتنا على "فيسبوك" .. من كان يتصور ذلك النجاح ...

   محمد : الحق معك ، لكنني أطمح إلي المزيد ... هل نسيتي 

   وفاء : دعك من هذا الحيدث الآن ... أجبني...؟

   عن أي شيء .. أنت لم تسألي ...

   ألا تدري ماذا أعني ...!

   أعلم بالطبع ... لن يكون بالشقة أحد سوانا ، أليس هذا ما أردتي السؤال عنه ...

(26)

   قالت وفاء ضاحكة بدلال و خبث : نعم...

   محمد : .. وحتى لو لم يكن بها سوانا ... وانفجر الاثنان في موجة من الضحك الماجن ...   

   إذن ما رأيك لقد أسرت إلي هنادي أنها ترغب في اصطحاب زياد لنستضيفهما ، لم أستطع اجابتها .... ما رأيك ؟

   أجاب محمد ... ولم لا... تحيا الوحدة العربية ... أمجاد يا عرب ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(27)

"عش العشاق"

   "عش العشاق" الاسم الذى أطلقته مجموعة الثنائيات الشابة على الشقة التي إستأجروها مشاركة في حي المهندسين ، حيث تتم لقاءاتهم الخاصة وسهراتهم الحرة في نطاق من البراءة دون الإنزلاق إلي ما هو أبعد من ذلك ...

   أبقت المجموعة على أمر "عش العشاق" سرا فيما بينهم دون سواهم ، لا يعلم به من خارج المجموعة سوى فرج يامسهل الذي كان ترمومتر الضبط والربط ...

و تهيئة العش بما يلزم السهرات من مأكل ومشرب .

   ضمت المجموعة العاشقة ...

   نجوى حسين و هاني حسنين...

   تغريد حسن و سمير عزت...

   جهاد علي طه و سامح حسين...

   توفيق حسن و سماح بنت أبو بهية...

   هنادي و زياد زميلها "الأنتيم" المرافق لها من فلسطين...

   بو يحي من تونس.....  

... تقضي شلة العاشقين في عشهم ، أجمل وأسعد أوقاتها ، بعيدا عن أعين الأهل ومواقفهم الرافضة لعلاقات وأحلام أفراد الشلة ، منزوين في ثنائيات كل منها في جانب من العش ، فيتبادل العشاق المناجاة السار منها وما لا يخلو من هم ، وربما يتبادلان القبل ، وليس أكثر من ذلك إلتزاما بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم بألا يسمحوا للشيطان بزيارة عشهم أو الوسوسة لمرتاديه ، الذي يشهد لقاءاتهم الثنائية ثم يعقبها لمة مجمعة للشلة ، فيما يشبه البروتكول غير المكتوب ، حيث يقضون وقتهم في بث شكاواهم من أي شيء وكل شيء ، وما أكثرها وتنوعها ، من الحب المحرم ، إلي السياسة بثقل ظلها ، إلي قضايا اجتماعية غير محددة تسوق الي فرض مناقشتها على الجلسة الأحاث اليومية ، أما وسائل الإعلام ، خاصة الفضائيات ، ومقدمات ومقدمي برامج التوك شو فقد كان لها النصيب الأوفر من الإنتقادات اللاذعة الدائمة ما يفوق نقد الحكومة ، وإبن رئيس الجمهورية ...

   لقب سامح بين افراد الشلة بـ "سامح الناجي" ، فهو الوحيد بين أفرادها الذي تشهد قصة حبه هدوءا وقبولا من والديه ، حسين و بهية ، ووالدي حبيبته ، علي طه و سميحة .

 

(28)

   في تلك الليلة و بينما يدور نقاش ساخن ، بين هاني وسامح ، حول ما يثار من "السلطة" التي يتمتع به جمال مبارك و "نفوذه" في مؤسسات الدولة ، قطع سمير النقاش ، مخففا من جدية الجلسة متسائلا : .. من الذي ابتكر الرقص الشرقي ؟! .

   قالت هاجر مندهشة : ماذا ..؟ سؤال غريب جدا لم يسأله أحد من قبل ..

   ألقى سمير سؤاله وهو مشدود إلي مشهد من فيلم "تمر حنة" تتمايل فيه نعيمة عاكف في دلال آسر ...

   لف الصمت المجموعة لثوان ثم انفجروا في ضحك هستيري ...

   قال هاني : حقا من ابتكر هذا اللون من الرقص .. أو من الفن ... الذي تتمايل فيه الأنثى مثيرة غرائز الرجال !!؟

   أكملت تغريد ، في خجل ، جملة هاني : وغرائزها أيضا ... لكنهم يطلقون عليه "فنا رفيعا"...

اختلفت نجوى مع تغريد   قائلة : إنه فن بالفعل ، لكني لا أعرف كيف أصفه .. ليس من السهل تطويع الجسد لنغمات الموسيقى بهذا الاتقان وتلك الرقة ... لابد أن فيه شيء من الاحساس غير العادي ..

   الكل يتمايل مع الموسيقى حتى الحيوانات ، هكذا علقت تغريد ..

   وعاد الجميع الي ضحكهم الهستيري مرة أخرى حتى قطعه رنين جرس الباب ..

   دخل فرج يامسهل ملقيا تحية المساء على الشلة التي يقوم على خدمتها فعليا ، لكنه بمثبة الراعي والأب الروحي لها ، فواجهه سمير بالسؤال .. عم فرج .. هل تعرف من ابتكر الرقص الشرقي ... أنت منذ انضممت إلي أبي في الملاهي وأنت مغرم بالرقص ...

   قال فرج ضاحكا : كنت مغرمى ومازالت مغرم برقص سامية جمال و تحية كاريوكا ، لكني لا أعرف من علمهما الرقص ... ولا من اخترعه .. أعتقد أن الأنثى تولد متمايلة راقصة وإلا فقدت صفة الأنوثة ...

   فعادت المجموعة مرة أخرى للضحك الهستيري .

 

 

 

  

 

(29)

"نزهـة البسـتان"

   مقهى "نزهة البستان" بحي المنيرة ، لصاحبه الحاج حسن ، وتابعه سعيد مهران المنزوي دائما بجواره ، ملتقى تجمع الصحبة المختلفة المشارب والتطلعات ، الشاخصة إلي شكل آخر من الحياة ، كل حسب ثقافته ونشأته ، حالمة بالتغيير الذي شبوا عليه ، وإن تطورت صوره مع تطور المجتمع ومجمل الأوضاع في البلاد ، فلم يعد الهدف التغيير بالخلاص من الإستعمار  أوالقصر ، فقد قامت ثورة يوليو عام 52 ، وخرج الملك والإنجليز تباعا ، أما وقد توالت الأيام والسنون ، وتولى حسني مبارك ، وتبدلت الأحوال إلي الأسوأ لا إلي الأفضل ، خاصة بعد إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل ، وبدء عصر الإنفتاح الاقتصادي ، وما أديا إليه من إغتيال أنور السادات ، وأمل في حسني مبارك أن يبدأوا عصرا من الرخاء ، أخذ في التدهور مع مرور الأيام وتعاظم مكانة رجال أعمال ، وارتبطت السلطة بالثروة ، فقد أصبح أمل التغيير لدى هؤلاء الثوار العواجيز هو التغيير إلي نمط من الحياة أكثر حرية وعدلا وعدالة إجتماعية ، فقد باتت الواسطة والمحسوبية هما الطريق إلي المناصب والمكانة الرفيعة في المجتمع ، وهو ما كان يدفع حمدون عجرمة دائما إلي عقد المقارنة بين عصر مضى كان الفن فيه في الدرك الأسفل ، وعصر حالي لا يختلف عنه في شيء إن لم يكن أسوأ ، فقد كنا ، كما يقول حمدون ، نحكم بواسطة السفارة الإنجليزية والقصر فلا لوم أن إنهارت القيم ، لكن اليوم ونحن نحكم برجال من بيننا ، ما بالنا لا يستقيم لنا مبدأ !.

   كان مقهى "نزهة البستان" ملتقى صحبة السجن المفضل ، على اختلاف ثقافاتهم وتوجهاتهم في الحياة ، فقد خرج الخمسة من السجن ، حسن أبوالروس .. سعيد مهران .. حمدون عجرمة .. علي طه .. و محمود أبو بهية ، وإن على فترات متفاوتة ، لكن صداقتهم استمرت ودامت دوام الأيام ، لم يتغير أي منهم .. لم يغير مشوار حياته .. أو نشاطه السابق ، فبقي حسن بتجارته المحرمة ، و انضم إليه سعيد مهران هاجرا مهنة السطو على المنازل ، وحمدون عجرمة مؤلف مسرحي وعلي طه محاميا له مكتبه الخاص ، وبقيا كلاهما ثورتهما المكتومة على مجمل الأوضاع ، ومحمود أبوبهية زميل الحاج حسن في المهنة والزنزانة .

  ينضم لهم أحمد بدير الصحفي صديق على طه ، و حسين كامل على ، الذي كان يجد بينهم متنفسا لما في صدره وإن لم يكن بإستطاعته مجاراتهم بالنقاش بحرية

 

(30)

خشية العيون المتربصة ، فقد كان مدير إدارة  بوزارة التربية والتعليم ، وعضوا بالحزب الوطنى الحاكم .

   خرج على طه من السجن بعد أن أمضى به أربع سنوات ، ليواصل مشوار محاربة الفساد ، بعد ان كان يحارب الاستعمار والقصر ، لم يخرج مهزوما ، بل بقى على إيمانه الذي لا يتزعزع بأن هذا الشعب ظلم كثيرا ... وعانى أكثر مما يمكن أن يعانيه أي شعب آخر ... كانت "مصــر" بحضارتها وشعبها ، وحتى عشوائياتها ، هي معشوقته الوحيدة ، بعد أن صدم بزواج إحسان شحاته من محجوب عبدالدايم ، وإن كان قد اقنع نفسه أن إحسان ليست نموذجا للخيانة ، ولكنها ضحية للفقر وانهيار القيم الاخلاقية التي بلغت بالأب شحاته تركي للمتاجرة حتى بإبنته ، وهو نفس الداء الذي أصيب به محجوب مما دفعه للموافقة على أن يكون "ستارا" لنزوات الباشا .

   تعرف على طه فى السجن على حمدون عجرمة ، فباتا صديقين وحدتهما مبادئ ثابتة ويقين لا يتزعزع و لم يتغير وإن تبدل هدفهما ، بعد قيام ثورة 23 يوليو عام 52 ، فتمسكا بحلمهما بحياة تكون فيها الكلمة للشعب .

   لم يجد على طه عند خروجه الي الحرية سوى الصحفي أحمد بدير ، صديقا قديما أبقى على عشرة بيت الطلبة ، وكونا ، مع حمدون عجرمة ، كتلة واحدة ، وإن إختلفت فلسفة علي طه في الحياة عن صديقيه ، القديم الصحفي أحمد بدير ، والجديد حمدون عجرمة.

   بقي على طه ساخطا على كل الأوضاع ، وإن تضاعفت أحزانه ، فقد كان ساخطا قبل ثورة 23 يوليو ، على فساد القصر ، حيث الملك وحاشيته ، وهو القصر الذي لم يعترف على طه في يوم من الأيام بأن ساكنيه كان لهم الحق في حكم مصر ، منذ عهد محمد على باشا ، وحتى الملك فاروق ، لم ير فيهم إلا مغتصبين ورثوا مصـر من جملة ما ورثوا من أملاك المماليك ، الذي لم يعترف أيضا بخلافته ، لكنها كانت أيام وولت ، وكان أيضا ساخطا على احتلال الانجليز ، أما الآن فقد تتضاعف سخطه على الفساد الذي يلف كل أركان الدولة لأن حكامه هم من المصريين أبناء هذا الشعب نبتوا من بيئات شعبية و متوسطة ، فكيف بهؤلاء أن يمارسوا كل هذا الظلم على أهليهم ، فانضم لحزب اليسار المعارض ، مما ضاعف من سخطه لما كان عليه الحزب من ضعف ، بسبب أجهزة الأمن خاصة جهاز أمن الدولة ، الذي مارس نوعا من الحصار غير المباشر على الحزب بترهيب من يحاول الانضمام له ، سواء كان عاملا بإحدى الوزارات أو بالقطاع العام ، وحتى العاملين بالقطاع

(31)

الخاص ، ولكن ذلك لم يصبه بالاحباط بل ظل يمارس نشاطه في الحزب ، وعلى الرغم من تمتعه بقدر من اليسار ، جنبه الحاجة للالتحاق بالعمل بالحكومة فافتتح

مكتبا للمحاماة ، مؤملا النفس ببلوغ العدل و الدفاع عن المظلومين ، لكن جل امنياته ضاعت وسط مرارة الواقع ، وان تمسك بمبادئه فلم يكن ليقبل بالدفاع عن

موكل لا يستشعر في قرارة نفسه ببراءته ، والأهم أن يكون موكله من الطبقة الكادحة .

   أما أحمد بدير فقد كان مسالما مستسلما ، رغم رفضه لمجمل الأوضاع ، لكنه لم يكن من النوع الذي يستطيع مواجهة مخاطر الرفض العلني أو السخط الصاخب .

   التحق أحمد بدير بالعمل في صحيفة الحزب الحاكم المعبرة عن نظام و حسني مبارك ، و ابنه جمال ، التي يرأس تحريرها رؤوف علوان ، على الرغم مما فيها من نفاق وخداع للحاكم والمجموعة القابضة على مفاصل الدولة الاقتصادية ، لكنه اعتاد على العمل هكذا كما اعتاد الحياة أيضا هكذا .

   لم تتأثر علاقة أحمد بدير وعلي طه باتجاههما المختلفين في مواكبة الحياة ، فقد تفهم كل منهما دوافع الآخر منذ أن كانا طالبين بالجامعة ، وقبل كل منهما بالآخر ، فلم يكن بينهما خلاف حول تشخيص حالة الفساد ، ورضيا بالوافد الجديد ، زميل علي طه بالليمان ، حسن كامل علي .

   لم يكن من حديث يدور بين هؤلاء إلا عن أحوال البلد وما آلت اليه من تدهور وإنهيار خاصة على المستوى الأخلاقي ، ولم يكن حمدون إلا أكثرهم إستدلالا على

هذا الانهيار بالحديث عما تلاقيه كتاباته الهزلية من استحسانا ورواجا ، وهو ما كان مثار خلاف دائم مع على طه الذي كان يؤكد أن هذا الملهى ليس كل البلد ، وإن وافقه على أن إنهيار القيم في المجتمع ليس محل شك أو نقاش ، لكنه ، وفق فلسفة علي طه ، لدى طبقات معينة ، على شاكلة من يسهرون في ملهى "ليالي الأنس" ، بينما آخرون لم يختاروا طريق الانحدار والرشوة ، بل دفعتهم إليها فئة فاسدة حرمتهم متعة الحياة الآمنة فإندفعوا إلي طريق الحرام ، نهبوا ثروات البلد وإحتكروا المناصب ومنابع الثروة والربح .

   لا تخف حدة مناقشة على طه وحمدون عجرمة إلا بتدخل حسين كامل ، الذي كان يؤكد أن المبررات التي تساق لكل فئة ، في نهاية الأمر تؤدي إلي ذات النتيجة ، وأن البحث عن حل ضرورة بفرضها الواقع عبر القنوات الرسمية ، ما كان يثير سخرية الإثنان ، علي طه وحمدون عجرمة ، فقد عايشا عن قرب تجربة الأحزاب فيما مضى ، ولا ثقة لهما فيما يوجد على الساحة الآن من أحزاب ...

(32)

   قال حمدون : ما رأيكم في مجموعة الشباب التي تكونت على "فيسبوك" التي تهاجم مبارك وولده وكل المحيطين بهما ...؟

  أجاب على طه : شباب جرئ ... يقول ما يراه الجميع صامتين...

  حمدون : وآخرتها ... أليس هناك احتمال ان يتم القبض عليهم   

  تساءل حسين : لا أعتقد أن مثل تلك الانتقادات على صفحات "فيسبوك" يمكن أن يكون لها تأثير...

   رد على طه بحدة : إلي متى تنتظرون .. ان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ..

   هل التقيت بهؤلاء الشباب ، تساءل حسين ...

   قنعم ، التقي بهم على فترات في مقهى "وسط البلد" ، أضاف على طه ، الحقيقة هم ليسو على شاكلة واحدة ، ربما حتى بعضهم لا يعرف على أي ايدولوجية يكون ، لكن ما يجمعهم هو الغضب من الأوضاع القائمة ... خليط غير متجانس اجتماعيا ، هناك أكثر من تكتل لهؤلاء الرافضين ... الناقمين ... انهم ليسو مجموعة واحدة بل مجموعات عدة...

   عاد حمدون للتساؤل : ما الذي يشكل فكرهم غير انتقادهم لأوضاع منظومة الحكم ورجاله...؟

   قال على طه : لا فكر ... فقط غضب وثورة مكتومة... إنهم يتأهبون لتنظيم مظاهرة يوم 25 يناير ... عيد الشرطة... يبدو أنها فقط للعكننة على رجال الداخلية...

   قال حسين : مظاهرات مدينة المحلة كانت عنيفة جدا .....

        

              

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(33)

"حميدة و عباس الحلو"

   عاد عباس الحلو من العمل في معسكرات الانجليز كحلاق ، حالما بتحقيق حلمه بالزواج  من حميدة ، بنت زقاق المدق ، التي هام بها منذ وعت عيناه الدنيا .. ليجدها وقد سقطت في مستنقع الرزيلة الذي تحاول الفرار منه دون جدوى ، فهي محاصرة من فرج الذي أغراها وأغواها ، ومن عساكر الإنجليز الذين أرادوا الفتك بها وهم تحت تأثير الخمر ، فينجح في انقاذها ، ثم يحقق حلم الزواج منها غافرا لها ما اقترفته أثناء غيابه و لتقلع عن مهنة الدعارة ، ثم يتزوجها ، ولم تبق من علاقتها بهذا العالم إلا على نفيسة صديقتها منذ عهد البيت المشبوه .

   افتتح عباس الحلو محلا للحلاقة بشارع المواردي مودعا زقاق المدق بكل ذكرياته وضجيجه ، وإن لم يكن شارع المواردي بأكثر هدوءا من الزقاق ، لكنه شعر فيه بروائح الزقاق التي ما أبعده عنه إلا سيرة حميدة التي ذاعت شهرتها على ألسنة كل أهل الزقاق .

   انضم عباس الحلو إلي شلة قهوة "نزهة البستان" .

     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(34)

"رؤوف علوان و سعيد مهران"

   "لا دايم إلا وجه الله" ، سنة الله في خلقه ، فالعداء الذي استحكم ، قبل سنوات ، على العلاقة بين رؤوف علوان وسعيد مهران تحولت ، وسبحان مغير الأحوال ، إلي علاقة "حميمة" قامت على المنفعة والمصالح المشتركة ، على الرغم من ميدان كلا منهما ، رؤوف علوان في ميدان الكلمة ، وسعيد مهران في ميدان تجارة المحرمات بمشاركة الحاج حسن .

   رؤوف علوان القادم من إحدى قرى الريف ، نزيل بيت الطلبة أو "المعلم الأول"،  كما كان يطلق عليه سعيد مهران ، محرضه على الرحيل و "إنتزاع" حقه وإلا بقى كما هو جنايني في بيت الطلبة حيث يفقد حبيبته نبوية ، بل ويفقد حياته كلها ، وهي الكلمات التي دفعت سعيد مهران إلي تغيير طريقه في الحياة فودع عمله كجنايني وتحول الي لص يحترف السطو على منازل مخدومي نبوية ، بعد أن تكون هيأت له طريق التسلل إليها منتهزة فرصة مغادرتهم إياها لبعض الوقت .

  رؤوف علوان عندما اصبح الصحفي الشهير رئيس تحرير صحيفة "الأسـرار" ، غير وجهة نظره في الحياة ورفع شعار "لا عمل حقير مادام شريفا" في وجه سعيد مهران ، عندما لجأ إليه ، عقب خروجه من السجن وذهب إليه شاكيا "غدر" زوجته نبوية وخيانة عليش  ساعده الأيمن في "زيارات" سرقة المنازل ، طالبا منه العون بعد أن إسودت الدنيا في عينيه ، وهو ما صدم سعيد مهران خاصة وأنه لحظ بعين حاسدة كيف تبدلت أحوال أستاذه الأول فأصبح يعيش في بحبوحة من العيش في فيلا فاخره ، مما دفع سعيد الي مناصبته العداء ، الذي بادله رؤوف به خاصة بعد محاولة سعيد السطو على فيلا رؤوف ...

   أما الآن فقد تبدلت الأحوال ، أما ما في الصدور فالله وحده أعلم به .

   تبدلت الأحوال ، وتبدل سعيد مهران بتكليف من رؤوف علوان وباتت مهمته التلصص على "الأسرار" ، لا الأموال ، أسرار علية القوم الذين يستهدف رؤوف إبتزازهم سياسيا  وماليا ، وكله بثمنه ، كما يقولون .

       

  

 

     

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق